الرئيسية » Slider » حرية بث الكراهية والتحريض على العنف

حرية بث الكراهية والتحريض على العنف

 

بقلم: مصطفي السعيد

كاتب صحفي

 

اطلعت على عدد من الآراء التي واكبت وفاة عمر عبد الرحمن المعروف باسم مفتي الجهاد في سجن أمريكي، رأت أن مفتي الإرهاب لم يحظ بمحاكمة عادلة، وأن التهم التي أدين بها لا تستحق الحكم بسجنه مدى الحياة، والغريب أن هذه الآراء لم تقتصر على السلفيين أو الإخوان وحدهم، وصورت مفتي الجهاد وكأنه ضحية حرية الرأي.

 

تعكس هذه الآراء أزمة خطيرة نعيشها، وهي أننا لا نرى إلا العنف المؤدي للقتل أو إسالة الدماء، أما المحرضون على العنف، وهم كثيرون جدا، فالبعض ينظر إليهم بوصفهم يعبرون عن آرائهم، وأن فتاواهم أو تحريضهم ليس سوى نوع من حرية التعبير.

 

هكذا لم يلحق بالمحرضين في جرائم قتل وعنف كثيرة أي عقوبة على جرائمهم، منهم من حرضوا على قتل الدكتور فرج فودة وغيره، ومن أفتوا بتكفير نجيب محفوظ، والخطب الكثيرة التي تبث الكراهية ضد الأقباط، وما أحدثته من فتن وجرائم حرق وتخريب وتهجير وعنف بكل الأشكال.

 

لقد ألقى عمر عبد الرحمن خطبة عقب وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وأفتى بكفره، وعدم جواز الصلاة على جثمانه، وجرى القبض عليه فترة قصيرة، ثم تم الإفراج عنه في يونيو 1971، وظل عمر عبد الرحمن يمارس نشاط التحريض على العنف دون مضايقات، لكن الرئيس الأسبق أنور السادات كان قد غضب منه لقيادته مسيرة ترفض تطبيق قانون الأحوال الشخصية، الذي تبنه السيدة جيهان السادات، وجرى العرض عليه بأن يقتصر نشاطه على الخطابة بمسجد في الفيوم، لكنه رفض ليتمكن من نشر التحريض والعنف على نطاق واسع في طول البلاد وعرضها.

 

كان عمر عبد الرحمن أبرز مؤسسي ومفتي الجماعة الإسلامية، التي اندمجت مع تنظيم الجهاد، وارتكبت الجماعة الكثير من أعمال العنف، ومنها المشاركة في اغتيال السادات، لكنه حصل على البراءة وخرج من السجن، وذهب لأداء العمرة في السعودية، وخرج منها ليلتقي قادة القاعدة في باكستان، ثم توجه إلى السودان، ليحصل منها على تأشيرة سفر إلى الولايات المتحدة، وجرى اتهامه بالتحريض على تفجير مركز التجارة العالمي، والتحريض على اغتيال الرئيس الأسبق حسني مبارك، ومحاربة الجيش الأمريكي، ولم يدرك مفتي الجهاد أن التحريض على العنف جريمة خطيرة في الولايات المتحدة، وليس كما اعتاد في مصر، إلا بعد الحكم عليه بالسجن مدى الحياة.

 

لدينا المئات بل الآلاف الذين يحرضون على الكراهية والعنف، في الصحف والفضائيات والخطب في المساجد وفي الدروس الدينة في المدارس والجامعات، ومع ذلك فهناك تساهل يصل إلى حد التواطؤ في مثل هذه الجرائم الخطيرة، فمن يرتكبون العنف قد لا تجدهم يعرفون الضحية مثل قاتل فرج فودة أو المعتدي على نجيب محفوظ، لكنهما وغيرهما ممن ارتكبوا جرائم إرهابية يستمعون إلى هذه الخطب، ويتطوعون فيما يرون أنها كتائب الجهاد، ويمارسون القتل والتخريب والتدمير باسم رفع راية الإسلام.

 

الكثيرون يصمون الآذان والأعين عن جريمة التحريض على الكراهية والعنف، لأنهم لا يرون نتائج سريعة ومباشرة لها، وبالتالي يقللون من شأنها، مثلما يقللون من شأن خطورة السلع والأدوية المغشوشة و تلوث الهواء و مياه النيل و الشرب، لأن مخاطرها لا تظهر سريعا، لكن النتائج المؤجلة قد تكون أخطر كثيرا من نتائج الجريمة التي تظهر نتائجا مباشرة.

 

لو كانت جرت محاكمة عدد قليل ممن يحرضون على الكراهية والعنف لما أصبح لدينا تلك الأعداد الكبيرة من الإرهابيين، سواء ممن ارتكبوا جرائم، أو الذين يستعدون لارتكاب الكثير من الجرائم في المستقبل القريب.