الرئيسية » Slider » “عمر صلاح”.. مٌلخص حدوتة يناير

“عمر صلاح”.. مٌلخص حدوتة يناير

Share

بقلم: محمد البسفي

 

“يعود “عمر” (الطفل بائع البطاطا الذي تم إستشهاده في 2013) ليُلهم قصة فيلم يشق طريقه نحو الأوسكار، فيظهر فيلم “بائع البطاطا المجهول” مع الممثل المصري خالد أبو النجا يشق طريق أول فيلم سينمائي بتقنية الروتوسكوبينج من القاهرة إلى الأوسكار مرورًا بالمهرجان العالمي للأفلام في دبي، ليُرشح الفيلم لأول عرض عالمي له بعد إنتاجه في مهرجان دبي للأفلام السينمائية في شهر كانون أول/ديسمبر الماضي، والذي يقام ما بين 7- 14 كانون أول/ديسمبر من كل عام في دبي”.

 

هكذا عادت ذكرى “عمر صلاح”، بائع البطاطا صاحب الثالثة عشر عاماً من عمره وصاحب اللقب الإعلامي “بائع البطاطا المجهول”، بعد صرعه برصاصات – إتضح هويتها عبر بيان إعتذاري رسمي – للقوات المسلحة داخل محيط ميدان التحرير أثناء الذكرى الثالثة لثورة يناير عام 2013. عادت مؤخراً قبل أسابيع قليلة من الذكرى السادسة لتلك الثورة، ضمن تقرير خبري نشره موقع “نون بوست” المصري يعرض لأزمة أحد الأفلام القصيرة المصرية – الذي إختار قصة عمر إسماً ومضموناً له – مع إحدى مهرجانات مدينة “دبي” للسينما.

 

فبرغم تميزه تقنياً وحيازته لكافة الشروط المؤهلة لدخول إحدى مسابقات مهرجان “دبي السينمائي”، من حيث كونه فيلم قصير مدته لا تزيد عن خمسة عشر دقيقة يعد العمل الأول لمخرجه بالإضافة إلى أنه أول الأفلام العربية المستخدم فيها تقنية الـ”روتوسكوبينج” Rotoscoping أو الرسوم المتحركة المحاكية للواقع، أستبعد الفيلم المصري فجأة من جائزة مسابقة “المُهر القصير”، بعد أن “أعلنت إدارة المهرجان إعتذارها لطاقم عمل الفيلم عن منعه من العرض لظروف طارئة، وخارجة عن إرادة الطرفين كما وضحت إدارة المهرجان في منشور على صفحتها الرسمية على فيس بوك.”، حسب ما أفاد به تقرير “نون بوست”.

 

ليتبلور المشهد الحالي في النهاية، حول ثلاث عناوين رئيسية: “عمر صلاح الصبي بائع البطاطا” و”الذكرى السادسة لثورة يناير” و”دولة الإمارات العربية التي يظهر اسم إحدى إماراتها في منع فيلم يحاول أرشفه أو رصد بعض مشاهد الثورة المصرية”.. عناوين على خلفية متسعة الرقعة من مناقشات وحوارات أو بالأحرى مساجلات وإستجداءات عاطفية لذكرى ثورة موؤدة!

 

وبعيداً عن أزمة فيلم لا تعني هذا المقال في شئ. وبغض النظر عن ملابسات دور نظام دولة الإمارات العربية المتحدة في دحر الثورات والإنتفاضات العربية الفائرة منذ 2011 وتحويل مساراتها، الدور الذي مازالت تفاصيله تترى آنباءه منذ سنوات ولن يتوقف تدفق أسراره في الأجل القريب.. لتبقى في النهاية – محفزة تأملنا لوقت طويل – ذكرى ذلك الصبي المكافح عائدة ببروز محفور فوق الرقعة المنسوجة بإتساع ستة سنوات من الذكرى بخيوط وهمية صنعتها بكائيات ونحيب عواطف الليبراليين بمشاركة أشقائهم اليساريين المتلبرليين على ذكرى ثورة تائهة بلا قيادة أو تنظيم، فيروس “التيه” الذي ولدت به وأضعف من مناعتها المكتسبة لـ”الثورات” وجعل منها “وطئة” لجميع التيارات والحركات العاجزة لكي تدعي تبنيها حتى ولو بشكل غير شرعي مباشر ومهد مسهلاً كثيراً من مهام الثورة المضادة عليها، لترجع تلك التيارات في بكائياتها “الحسينية” الآنية على، “حائط مبكى ثورة يناير”، تخبط في جميع الإتجاهات محملة “الشعب” كافة مسؤوليات الإخفاق، صابة عليه كافة اللعنات والإتهامات بالخنوع والتخاذل، تحت نفس مزاعمها ولافتاتها المهترئة القديمة، بداية من “ثورة الشباب” التي تزعمتها الطبقة الوسطى وليس إنتهاءً بالتخويف وربما – حسب الأحوال المزاجية – التبشير بـ”ثورة جياع”، غير عابئة بجرمها الذي إرتكبته تلك التيارات الفكرية والسياسية في حق ثورة ذلك الشعب، ومازالت تصر على إرتكابه، بفصلها عن أي بُعد طبقي لهذه الثورة وبالتالي حصرها داخل الأطر الديمقراطية الأميركية/الغربية في أبعادها السياسية وتهميش “قلبها” الإجتماعي في إطار “حقوقي” أميركي النزعة إيضاً!

 

لتتحول في النهاية الثورة التي تخضبت بدماء أغلب أبناء الفقراء ومهمشي مجتمع التبعية للرأسمالية العالمية المتوحشة، إلى مجرد “ثورة ملونة”، مازالت فاعلياتها سيجالاً بين أجهزة ومؤسسات سيادية وتابعة حساسة.

 

ونظراً لما تعانيه تلك التيارات من أمراض وقصور الطبقة البرجوازية المصرية التاريخي والموضوعي، والممثلة لها بكافة شرائحها، فمازالت تلوك شعاراتها وتحليلاتها التي تلوي بها عنق العلم وواقع الأحداث، حاصرة الثورة بأيامها الثمانية عشرة الأولى التي ختمت بخلع مبارك، ولا تلتفت إلى وقائعها الأكثر ثورية بخروج كافة صغار الموظفين والعاملين بالمؤسسات الحكومية والخاصة في ثورة ضد إداراتهم بالمحسوبية والفساد الإداري والمالي والخلقي مطالبين بحقوقهم في هذه الإدارات بل ووصموها بصك وخاتم “الإحتجاجات الفئوية”، أو إلى تلك “المعارك الثورية” التي أشتعلت بها الشوارع المحيطة بمقار الأجهزة الأمنية التي قاتلت في حفظ أمان وحياة هذه الإدارات أكثر مما قاتلت بشراسة حماية لنفسها، أو إلى تلك الإحتجاجات الدامية التي خرجت – في قفزة ثورية محددة معالم ومطالب الإنتفاضة الشعبية – ضد سفارات لدول معينة مثلت رموزاً لمبادئ ترفضها الجموع الكادحة، عندما خرجت ضد السفارة الإسرائيلية رافضة “كامب ديفيد” وتبعاتها، وخرجت ضد السفارة السعودية ضد الهيمنة الوهابية وأخلاقيات أستعباد البتروريال، وضد السفارة الأميركية رفضاً لهيمنتها الرأسمالية الجديدة وسياساتها المعولمة.. و.. و..، مشاهد وأحداث كثيرة نسجت من نور ودماء على الأرضية الثورية أطفأتها العقلية البرجوازية المصرية الكسيحة من أجل عيون عولمة ثقافية وإقتصادية تحرك خيوطها “ماما أميركا”.. أستطاعت تهميش كل تلك المشاهد وتطرفها إلى هامش الإطار الثوري لتتربع نخب البرجوازية المصرية في قلب المشهد الإعلامي “العالمي” تنصب محاكمات “رمزية” ثورية شعبية يعجز أساطين مسرح الملهاة عن إخراحها. حكمت إحدى تلك “المحاكمات الملهاة” في بداية أيام الإنتفاضة مثلاً بتعديل “ثمن” بيع الغاز لدولة إسرائيل في إتفاقية عقدتها حكومة الرئيس المخلوع، طالما ملأت الدنيا صراخاً نفس وجوه تلك المحاكمة بأنها إتفاقية العار والخيانة طوال الفترة الأخيرة من عهد مبارك. ومازال عبث وغثاء تلك الطبقة لا يتوقف أو ينقطع طيلة الستة سنوات التي أعقبت الإنتفاضة، فحتى منتداياتهم على وسيلة إتصال مثل “فيس بوك” تائهة تعكس سيكلوجية الإضطراب والهوس البرجوازي الذي لا يخلو من طرافة، وتكفي نصف ساعة فقط لتصفح حسابات و”جروبات” تنعي متباكية على عصر الملكية محاولة إعادة تلميع وجهه بتلفيقات وتمويهات تاريخية في نفس اللحظة التي تسخر فيها من “رجعية” السلفيين والمتأسلمين، وصفحات أخرى تدعي اليسارية والفكر العلماني الديمقراطي بدراسات ومخطوطات ومناقشات في ذات الوقت الذي تدافع فيه عن آداء جماعة الإخوان المسلمين بمنطق انها جماعة “إصلاحية” قادرة على قيادة ثورة “ديمقراطية” (!!).. وغير ذلك الكثير مما تطفح به صفحات “فيس بوك” و”تويتر” من عبث البرجوازية المصرية العجيب.

 

ليبقى في النهاية وجه “عمر صلاح”.. ليس مادة لفيلم ينافس على جائزة معولمة تنحصر قيمته الحقيقية فيما يدره في جيوب صناعه من أموال ودولارات، ولكنه الباكي ملتاعاً الفقر وضبابية مستقبل غامض.. رمزاً لإنتفاضة شعبية حقيقية أستطاعت حفر مطالبها بالدم والنار على شوارع وحارات تعرف جيداً طرق العودة إليها.. وتبقي جماعات وحلقات – ولا نقول تكتلات – لا يمكنها الإرتقاء لتنظيمات، تدعي التقدمية والتمركس تحصر نفسها في بروج البرجوازية المصرية الواهية الواهمة لا تنتج سوى الكلمات والجدليات السفسطائية التي لا يحاولون تطويرها أو إخراجها من حيز حلقاتهم الضيقة، صانعين منها أسواراً إضافية تفصلهم عن جموع الفقراء وأبناء الطبقات الكادحة، أصل وهدف أيديولوجيتهم ورسالتهم الحقيقية، تاركينهم لروحانيات ودجل الإسلام السياسي. جماعات وحلقات تقدم مفاهيم “الحرية” الأميركية على “الصراع الطبقي”، الذي تقدم كل يوم ألف دليل على عجزها عن فهمه المعاصر.. بحصرها له إما في مفاهيمه العتيقة التي تجمد الماركسية في “دوجما” أبعد ما تكون عن روح الماركسية الحية ذاتها نظرية وتطبيقاً، أو بتمييعه و”تحريفه” وتلخيصه في إطاره “الحقوقي” بزيه الغربي. في عجز فاضح عن تصديق واقع المفاهيم الجديدة التي يفرضها واقع حال الطبقات المستغلة دون الوقوع في لزاجة مفاهيم “ما بعد الحداثة” السرابية.

 

يحاول الكاتب المصري “عادل العمري”، إيجاد مفهوم “واقعي” أكثر ديناميكية لطبقة بوليتاريا مجتمع اليوم، في مقالته المميزة، التي نشرها عبر حسابه الشخصي علي شبكة التواصل الإجتماعي “فيس بوك” قائلاً: “أقصد بالبروليتاريا الجديدة، الجماعات المهمشة إجتماعياً والتي تعمل خارج سيطرة الدولة، أو ما يمكن أن نسميه “مجتمع الظل”. تشمل البروليتاريا الجديدة العمالة غير المسجلة ومعظمها يعيش في العشوائيات، وبعض أفرادها غير مسجل في سجلات الدولة أصلا.. ومنهم الملايين يقتاتون قوتهم بشكل موسمي أو يوماً بيوم، دون التمتع بأيِّ نوع من التأمين، ومعظم المنخرطين في إقتصاد الظل. وقد إعتدنا أن نسمي هؤلاء بأشباه البروليتاريين، أو المهمشين”.

 

مواصلاً: “وهذه “الطبقة” تنمو بمعدل كبير في العالم كله، وقد تشمل معظم سكان مصر في الأفق المنظور. فالليبرالية الجديدة تنتج هذا النوع من البروليتاريا بفضل التهميش المتزايد للسكان. وفي مصر يتنامى عدد أفراد البروليتاريا الجديدة بفضل سياسة التخريب والنهب التي تتبعها الدولة”.

 

واصفاً العمري: “هذه “الطبقة” تتميز بأنها بالفعل لا تملك ما تفقده، فلا ممتلكات تذكر، ولا دخل معقول، ولا تأمين، ولا وظائف مستقرة، ولا حتى كرامة محفوظة ولا أيِّ إحترام من قبل السلطات. هذه الحقيقة هي ما تجعل هؤلاء هم الخطر الأكبر على النظام والقوة المرعبة للمجتمع الرسمي كله. ففي المقابل نجد أن كافة القوى المنظمة، أو المجتمع الرسمي، إما خاضعة للدولة، أو تتقاسم معها المصالح بشكل مباشر أو غير مباشر، أو على الأقل تتحرك في حدود تقررها الدولة، بما في ذلك النقابات العمالية والمهنية وجمعيات رجال الأعمال، والمنظمات السياسية الرسمية، ومؤسسات الإعلام، وحتى منظمات المجتمع المدني، ومن يتجاوز الحدود يتم تهميشه. فكل المنظمات من كل صنف مخترقة أمنياُ ومعظمها ينسق مع أجهزة الدولة أو على الأقل يراعي الحدود المسموح له بالتحرك داخلها. وحتى العمال المنظمون والموظفون الفقراء “يتمتعون” بالعمل المستقر إلى حد ما والـتأمينات والدعم الحكومي، الذي يتناقص، ورغم الفقر فهم في وضع تحسدهم عليه البروليتاريا الجديدة؛ التي لا تضمن فطورها صباح كل يوم..

 

“هذه “الطبقة” لا تثير فقط خوف السلطة والطبقات الغنية، بل ترعب – وبشكل أشد في الحقيقة – الطبقة الوسطى المتآكلة بإستمرار، لأن الأخيرة لا تتمتع بحماية الدولة ولا تملك ثروة تمكنها من حماية نفسها، ولذلك نجد أعلى الأصوات تحذيراً من “إنتفاضة الجياع” هي أصوات تخرج من الطبقة الوسطة، المذعورة على وجه العموم طول حياتها”.

 

#                        #                       #

 

في مشهد بديع فنياً بفيلم “المجهول”.. صنعه المخرج أشرف فهمي في بداية الثمانينات تقريباً، أظهر الفنان الراحل عادل أدهم، الذي جسد شخصية عامل أبكم وأصم لفندق صغير، بروعة مشاعر “خادم” مزجت بالخوف والحيرة واللوعة التي عرته لدرجة إحساسة بالبرودة وهو يشاهد نهاية “سيدته” المنتحرة بعد أن أعتادت إطعامه ورعايته بجره بسلسلة معدنية كالحيوانات الألفية، وتذبذب مشاعره المضطربة حيرة بين “الضياع” بعد فقد راعيته وسيدته و”الحرية” والإنطلاق من مشاهد رفرفة طيور النورس البحرية فوق رأسه.. مشاعر جميلة فنياً داخل فيلم سينمائي.. ولكنها “مرضية” في إضطرابها وحيرتها “المصطنعة” داخل نخب وقواعد برجوازية تريد وتصطنع وتحترف التمركس، فلا تجزئة بين الصراع الطبقي بمفهومة العصري – كما هو لا يجزء في نظريته الاساسية – والحرية والديمقراطية الحقيققية، بقدر عدم وجود لمصطلحات “حدثية” وهمية من حجم “ثورة جياع” و”ثورة شباب” و”عدالة إجتماعية” إنتقائية تنمي المجتمع وتقوي مؤسسات البرجوازية العتيقة المأزومة.

 

 

 

Share