الرئيسية » Slider » مجدي عبد الهادي: هناك خلط بين النقابة الحديثة والطائفة القديمة، وما لدينا لم يصل بعد لبنيان النقابة الحديثة خاصة من جهة الإستقلال!

مجدي عبد الهادي: هناك خلط بين النقابة الحديثة والطائفة القديمة، وما لدينا لم يصل بعد لبنيان النقابة الحديثة خاصة من جهة الإستقلال!

 

حاوره – محمد البسفي:

 

“التنظيم النقابي في حالة ضعف عام أقرب للأفول، مع ما جرى من تحولات على الرأسمالية العالمية منذ السبعينيات… وبصفة عامة فإن أزمة التنظيم النقابي في مصر أزمة هيكلية تتعلق بالبنية الإجتماعية الإقتصادية وليست مجرد أزمة مؤسسية تتعلق بالقوانين والتنظيمات الإدارية رغم كونها جزء من المسألة ومستوى من التحليل بالتأكيد”، هكذا بلور الباحث الإقتصادي المصري “مجدي عبد الهادي” قضية التنظيمات النقابية داخل أسواق إقتصادات السوق العالمي الحالي بصفة عامة وداخل أوطاننا النامية بصفة خاصة، ضمن رصده الشامل لعدة قضايا كان من أبرزها، ايضاً، دور “التعاونيات” كعلاج آني لإقتصاديات البلدان القومية الناشئة وكخطوة علي طريق نموها وتحررها الوطني، موضحاً بأنه يجب: “أن نكون أكثر تواضعاً في مطامحنا في هذه المرحلة، فقدرتنا على التحرر من ذلك النظام، والتي تعني في جانب منها تأثيرنا فيه محكومة بوزننا النسبي فيه… فأغلبنا دول صغيرة وفي سياق عالمي تتنامى فيه القوى الماموثية، فلابد وأن نتعامل مع حجمنا هذا بواقعية، ولعل التعاونيات تمثل أحد الحلول الواقعية التي لا تتضمن صداماً حاداً منذ اللحظة الأولى، بل تؤجله قليلاً حتى نكون قد راكمنا من القوة ما يعزز موقعنا ويؤازر موقفنا.”.. قضايا كثيرة ومشكلات متعددة رصدها مجدي عبد الهادي في الحلقة الثانية والأخيرة من حواره مع (مصرنا اليوم)…

 

  • داخل هذا الإطار الإقتصادي العالمي، أقصد مناخ تأزم الرأسمالية العالمية، هل من الصحيح أن نعتبر دولاً مثل إندونيسيا وماليزيا ودول الخليج – ومن أبرزها حالياً الامارات والسعودية وغيرها من الدول ذات الموارد الطبيعية والجغرافية المعروفة والمحددة – في وضع اشبه بـ”السوبر ماركت” ضمن آليات الرأسمالية العالمية وأبرزها صناعات الشركات متعددة الجنسية؟.. ولو صح هذا التصور والمسمي – التقريبي من أجل التبسيط – هل مصر مطالبة بالقيام بهذا الدور حالياً ويتم إعدادها إقتصادياً وإجتماعياً له؟

 

  • بدايةً لا يمكن وضع إندونيسيا وماليزيا ومصر في كفة واحدة مع دول الخليج، كما لا يمكن وضع مصر في كفة واحدة مع إندونيسيا وماليزيا.. هناك إعتبارات وفروق كثيرة تحدد إحتمالات التوظيف والمواقع المحتمة لكل دولة في النظام العالمي وضمن تقسيم العمل الدولي، ومن هذه الإعتبارات حجم الدولة سكانياً وحجم سوقها الفعلي الناتج عن التفاعل بين حجم سكانه وحجم دخلها وشكل توزيعه، وبالطبع طبيعة مواردها، وطبيعة هياكلها الإنتاجية القائمة وقدراتها على تحويل الموارد الطبيعة لمنتوجات إقتصادية وموقعها الجيوسياسية وعلاقاتها وإطاراتها الثقافية.

وتقسيم العمل الدولي الجديد يتسم بعدة سمات، أهمها: تصدير الصناعات التقليدية والملوثة للبيئة ومنخفضة القيمة المضافة للبلدان المتخلفة والفقيرة، وإحتفاظ المراكز الرأسمالية بالصناعات المتقدمة عالية القيمة المضافة، وإستمرار أغلب الرأسماليات المتخلفة كرأسماليات طرفية في ذيل سلاسل إنتاج القيم الصناعية على المستوى العالمي، والإستفادة من إنخفاض الأجور في تلك الدول، فضلاً عن إستغلالها كآداة ضغط على أجور عمال المراكز الرأسمالية كما هو الحال منذ منتصف السبعينات، وهو ما يتحقق بمساندة الديكتاتوريات في الأطراف وتفريغ الديموقراطية من مضمونها في المراكز، وفي الحالتين تدمير النقابات كلياً في الأولى وجزئياً في الثانية.

أما عن مصر فهى من جانب مضطرة للتعامل مع هذا العالم، فالإنعزال له تكلفة كبيرة كما الإندماج بالضبط، ولهذا فمصر بحاجة لعلاقة متوازنة مع هذا التقسيم فلا تنسحق له وتدخله من باب التابعين المُكرهين فتصبح “سوبرماركت” كما وصفت، بل إن عليها أن تقود “علاقاتها” مع العالم، بمعنى ألا تتركها لإرادتهم ، بل أن تحركها في إطار مصالحها المخططة على أساس من التفاوض الذي تحاول أن يكون متكافئاً قدر الإمكان.

ولتحقيق هذا فهى بحاجة للتعاون مع الدول المتخلفة الأخرى، وأن تدفع بإتجاه التكامل العربي والتعاون الأفريقي، وتزيد من نسبة تعاملاتها الإقتصادية مع دول من ذات مستواها التنموي؛ حيث يمكنها من جهة أن تبني علاقات متوازنة متكافئة، كما يمكنها بإتحادها مع تلك الدول وفي إطار تلك التكتلات أن تمتلك معها وضمنها قوة تفاوضية أكبر في علاقاتها جميعاً مع المراكز الرأسمالية الكبرى والقوى الماموثية الجديدة.

 

  • في مواجهة كل ذلك.. ما هي فرص ومستويات التنمية الوطنية الحقيقية التي يمكنها مواجهة أخطبوط وجبروت العولمة الإقتصادية الآنية؟.. وهل أسلوب التعاونيات بإختلاف تنويعاته مُجديِ في الإتجاه إلى مجتمع لا طبقي تتسيد فيه أغلبيته الفقيرة مقدرات بلدها؟

 

  • في الواقع علينا أن نكون أكثر تواضعاً في مطامحنا في هذه المرحلة، فقدرتنا على التحرر من ذلك النظام، والتي تعني في جانب منها تأثيرنا فيه محكومة بوزننا النسبي فيه، روسيا كانت دولة كبرى في النهاية، فكان لها وزنها وتأثيرها عندما قامت بها الثورة البلشفية، أما نحن فأغلبنا دول صغيرة وفي سياق عالمي تتنامى فيه القوى الماموثية، فلابد وأن نتعامل مع حجمنا هذا بواقعية، ولعل التعاونيات تمثل أحد الحلول الواقعية التي لا تتضمن صداماً حاداً منذ اللحظة الأولى، بل تؤجله قليلاً حتى نكون قد راكمنا من القوة ما يعزز موقعنا ويؤازر موقفنا.

كما انها تمثل حلاً إجتماعياً مقبولاً لكثير من التحديات حالياً، فهي تصلح آداةً للتغير الإجتماعي السريع والإستراتيجي في ذات الوقت، فيمكننا أن نبدأ فوراً، لكن علينا أن نصبر كثيراً إذا كنا نهدف منها لتغييرات إجتماعية جذرية تغيّر معادلة القوى الإجتماعية بتحييد وتقليص سلطة الرأسماليين على السوق وسلطة الدولة على الإقتصاد.

 

  • هل يمكننا التعرف علي ملامح التنظيم النقابي بشكل عام في ظل عصر العولمة الإقتصادية والإجتماعية الآنية؟

 

  • التنظيم النقابي في حالة ضعف عام أقرب للأفول، مع ما جرى من تحولات على الرأسمالية العالمية منذ السبعينيات، فهناك أولاً تقلّص للتصنيع لصالح القطاعات الخدمية بدءًا من المراكز الرأسمالية نفسها، وثانياً إرتفاع في التكوين التكنولوجي والتكثيف الرأسمالي قلل من تشغيل القوة العامة، وثالثاً حرية حركة لرأس المال مقابل تقييد لحركة السكان وقوة العمل بما أعطى للأول قوة تفاوضية أعلى؛ لا غرابة مع كل هذه التحوّلات أن يسجل الإقتصادي “روبرت رايخ” ووزير العمل في إدارة الرئيس الأمريكي “بيل كلينتون” إنخفاض نسبة المشاركة العمالية في النقابات من الثلث قبل أربعين عاماً إلى حوالي 7 % لا غير حالياً!

فالمُتوقع هو إستمرار هذه الحالة مادامت هذه الإتجاهات مستمرة، وقد يصيبها بعض التغيير مع ما نراه من عودة جزئية مُتوقعة للحمائية مع صعود اليمين الشعبوي في المراكز الرأسمالية الكبرى نفسها، وإن كان ذلك سيتم غالباً في إطار إستبدادي وحكم أقليات وإدارة كوربوراتية تهيمن على النقابات وتجعلها آداة للهيمنة على الشغيلة بدلاً من أن تمثلهم وتدافع عن مصالحهم.

 

  • في مصر حالياً تقسيمين للنقابات علي مستوي النوع.. نقابات مهنية وآخري عمالية، ما مدي الإستفادة الإقتصادية والإجتماعية من هذا التقسيم؟

 

  • واقعياً وبغض النظر عن التفاصيل، ليس لهذا التقسيم من قيمة سوى التمييز بين مستويين من قوة العمل بغرض تفريقهما وتشتيتهما، ما عدا ذلك لا فارق حقيقي في ضوء الطبيعة الكوربوراتية للدولة وتنظيماتها.

ولا يمنع هذا وجود تناقض إقتصادي إجتماعي موضوعي بين الفئتين من عمال ومهنيين (بل وداخل المهنيين أنفسهم)، من جهة كون الأولين تنتمي “أجورهم” لفئة التكاليف المتغيرة بينما تنتمي “رواتب” الأخيرين لفئة التكاليف الثابتة، وهو إختلاف نوعي مهم يرتبط بدرجة إستقرارهم الوظيفي وموقعهم الإداري ومن ثم ضعف إمكانية التضامن فيما بينهم.

والمشكلة الأكبر لدينا في مصر هى أن هناك خلطاً شكلياً بين النقابة الحديثة والطائفة القديمة، فما لدينا لم يصل بعد لبنيان النقابة الحديثة، خصوصاً من جهة الإستقلال، وهو ما يتسق مع طبيعة التنظيمات الكوربوراتية لدولة إستبدادية لاتزال محتفظة بقلب إستبداد فرعوني شرقي وإن توشحت بغلاف حداثي لدولة ديموقراطية حديثة!

فالدولة لدينا لازالت في جوهرها دولة جباية شرقية؛ تتعامل مع النقابات كآداة هيمنة وليس كجهة تمثيل مصالح إجتماعية، وحتى بمنظور المصالح الإجتماعية فهى منحازة بحكم طبيعتها الإجتماعية، وهو ما يتجلى في إختلاف أساليب تعاملها القمعي مع نقابات العمال والمهنيين من جهة والتعاوني مع الغرف التجارية وإتحاد الصناعات من جهة أخرى، وذلك منذ النشأة التاريخية نفسها التي منعت نشأة الأولى فيما دعمت إنشاء الثانية مبكراً!

ومع ذلك يجب ألا ننسى المشترك في سياستها في مواجهة الشكلين النقابين (العمال والمهنيين) وهو التفكيك والمحاصرة إتساقاً مع ما جرى من تفكيك للطبقة العاملة والمهنية (الوسطى) نفسهما في مصر بفتح أسواق العمل بالخليج أمامهما، ما كان ضمن خطة أمريكية لتيسير تحولات السادات الإنفتاحية إقتصادياً على الرأسمالية وسياسياً على الغرب.

وبصفة عامة فإن أزمة التنظيم النقابي في مصر أزمة هيكلية تتعلق بالبنية الإجتماعية الإقتصادية وليست مجرد أزمة مؤسسية تتعلق بالقوانين والتنظيمات الإدارية رغم كونها جزء من المسألة ومستوى من التحليل بالتأكيد، وفي النهاية تلك القوانين والتنظيمات نفسها إنما تعبر عن تلك البنية وتوازنات القوى المرتبطة بها، ونجاحات اليسار النقابية القليلة والمحدودة في مثل هذا الواقع الصعب هى بطولات حقيقية!

 

  • هل يمكن للتنظيم النقابي أن يخدم الرأسمالية عموماً علي كافة أنواعها؟

 

  • لا يمكن التعميم بالطبع، فالمسألة خاضعة لإعتبارات عديدة متشابكة، فالرأسمالية نظام متعدد المستويات الإنتاجية والمؤسسية والسوقية، كذا درجات التطور، والمواقع القومية من النظام الرأسمالي العالمي؛ ما يخلق أشكالاً عديدة منها، وهو ما يتفاعل مع أشكال عديدة ومستويات تطور مختلفة من المجتمعات والثقافات وأجهزة الدولة، وكل هذا التعقيد يمنع إمكانية التنميط الذي يجمع تحت عنوان واحد عريض الأشكال المتنوعة والمختلفة من ظاهرة كبيرة كالتنظيم النقابي في علاقته بالرأسمالية، وهكذا فبصفة عامة لا يمكن القول بأن التنظيم النقابي سيخدم الرأسمالية دائماً، فهذا مما يتوقف على كل ما سبق ذكره من إعتبارات وكيفية تفاعلها.

لكن عموماً إذا كان تنظيماً نقابياً ما تنظيماً كوربوراتياً يعمل لصالح هيمنة الدولة أو تنظيماً أصفراً يعمل لصالح هيمنة الرأسماليين فهو يحقق هدف الهيمنة المرجو؛ وهو بهذا المعنى يخدم الدولة والرأسماليين، لكن هل هذه الهيمنة تخدم الرأسمالية نفسها دائماً؟ في الواقع لا، فإستدامة تطور ونمو الرأسمالية نفسها يلزمه علاقات متوازنة لا إعتسافية بين العمل ورأس المال (بإختلافات في معنى التوازن بالطبع وفقاً لإعتبارات كثيرة)، أي بين التنظيم النقابي من جهة ورأس المال سواء عام أو خاص من جهة أخرى.

 

  • هل يحدد نوع الرأسمالية التي تنتهجها دولة ما نوع هذه الإستفادة من شكل التنظيم النقابي؟

 

  • بالطبع، فرأسمالية مركز تبتغي محاصرة مطالب الطبقة العاملة والتفاوض معها يختلف تعاملها عن رأسمالية طرف تشارك كوكيل في الهيمنة على الطبقة العاملة التي لا يقبل أي تفاوض معها؛ وهكذا تختلف إستراتيجيات الطبقة العاملة وإمكانات المناورة في التعامل معها عموماً؛ وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على كيفية التعامل مع تنظيماتها النقابية خصوصاً.

وهكذا لا يكون منطقياً تقليد الأشكال والطرائق النقابية للطبقات العاملة في الغرب لإعتبارات متعلقة بإختلاف الظروف وإمكانات التفاوض ومستوى تطور تكوين ووعي الطبقة العاملة عموماً وإختلاف الهيكل الإقتصادي والجهاز الإنتاجي وبالتبعية التركيب الطبقي، وفي كل هذا تفاصيل هائلة بالطبع تحتاج لدراسات كاملة لم ينجزها المعنيون بها من باحثين إقتصاديين ونقابيين ويساريين للآسف.

ورأسماليتنا الحالية هى رأسمالية تابعة لا تملك آليات تجديد شروط وجودها؛ وبالتالي فهى لا تملك حرية ولا نطاق تفاوض واسع مع طبقتها العاملة أساساً، بل إن تفاوضها إن كان ثمة تفاوض، هو محكوم ومقيد بشروط شراكتها مع رأسماليات المراكز؛ فهوامشها الربحية والسلطوية محكومة بقدرتها على الحفاظ على نصيبها من الكعكة التي تقتسمها معها رأسمالية المركز والعمالة المحلية.

والرأسمالية العالمية عموماً تعالج تناقضاتها مع طبقاتها العاملة على حساب الطبقات العاملة للرأسماليات الطرفية، من خلال تكثيف إستغلال الأخيرة لحصد فائض قيمة أعلى منهم، وطريقتها في ذلك هى كبح نمو تلك الرأسماليات الطرفية وجعلها مجرد شريك أصغر بنصيب محدود؛ ولتظل تابعة غير تصنيعية بجيوش عمل ضخمة؛ وهكذا فالضعف النقابي والتشكيل الكوربوراتي للنقابات في مصر له جذور موضوعية لا ذاتية، وأذكّر في هذا السياق بضعف النقيضين في مصر – العمال والرأسماليين معاً – بسبب ضعف الرأسمالية الصناعية نفسها؛ فلا غرابة في ضعف وجود الطبقة العاملة لضعف نقيضها الذي هو أساس إنتاجها!