الرئيسية » Slider » الأوضاع في جزيرة العرب بعد سيادة الإسلام

الأوضاع في جزيرة العرب بعد سيادة الإسلام

Share

 

بقلم: د. رضا خالد

 

“أُشرب الإسلام في بدايته أكثر ممّا أُشربت المسيحيّة الأولى جوّا من المساواة والروح الجماعيّة، تعبيراً عن الأخوّة العقائديّة التي ألّفت بين أتباع النبيّ… وخلافاَ لإعتقاد ساد طويلاً، فإنّ هذا المناخ يفوق بالتأكيد تقاليد البدو الجماعيّة لأنّ حركة الإسلام إنتشرت بسرعة في أوساط فقراء المدن.”

 

و”المدينة الإسلاميّة في صورتها المثلى مجتمع قائم على إجماع المؤمنين كافّة”

 

و”الملكيّة ليست حقّا مطلقاً بل مشروطة بالإحياء، ومن حيث المبدأ ليس المسلم حرّ التصرّف في ملكه بل هو محاسب أمام الأمّة”، بهذا المعنى فإنّ “السلوك الإقتصاديّ هو سلوك جماعيّ مساواتيّ.”

 

يتأسّس الطّابع الإجتماعيّ للملكيّة على ثلاثة مبادئ هي أنّ الأشياء كلّها ملك لله تعالى، وأنّ الإنسان وكيل مؤتمن على ما بيده من خيرات، وأنّ هذه الخيرات في خدمة الجميع.

 

تجد هذه المبادئ تجسيدها العمليّ في فرضيّة الزكاة وتحريم الرّبا وحقّ الفقراء في حصّة من بيت المال وتدخّل السلطة لإعادة توزيع الثروة والتكافل بين الأقارب والأجوار وعامّة الناس.

 

فالمجتمع المسلم مجتمع مساواتيّ بالنظر إلى مبادئه العامّة وإلى مقاصده العليا.

 

فكيف كانت الأمور في الواقع؟

 

من الثابت أنّ انتصار الإسلام وانتشاره تمّ بفضل انضمام الطبقات المسحوقة إليه، فقد كانت قاعدته الإجتماعيّة تتكون في غالبيّتها من مزارعي المدينة (الأنصار) و فقراء المهاجرين، ولا يمثّل التجّار سوى جزءا صغيرا.

 

لقد كسرت سيادة الإسلام هيمنة الأرستقراطيّة المكّية وإن لم تحطّمها تماما، وقضت على احتكارها الثروة والنفوذ ففتحت آفاقا جديدة للنموّ التّجاري، ومكن القضاء على يهود المدينة من تحريرسوقها وتوسيع قاعدة المزارعين المسلمين.

 

وقد تحسّنت أوضاع الفقراء نسبيّا، بفضل الزكاة وخمس الغنيمة والفيء وإعادة توزيع الثروة، وتحرّر قسم من العبيد، واندمجت أعداد متزايدة من الأعراب في الدورة الإقتصاديّة.

 

ولم تمرّ هذه التحوّلات دون احتكاكات بين مكوّنات المجتمع المسلم، خاصّة بعد إخضاع مكّة والطّائف والقبائل البدويّة المتحالفة معها.

 

فلقد وجدت فلول الأرستقراطيّة في كبار التجّار المسلمين حليفا لها، كما وجدته في الدّهاقين في الأراضي المفتوحة، وبفضل خبراتها الإداريّة والماليّة سرعان ما أخذت لها مواقع متقدّمة في الدّولة النّاشئة.

 

ممّا يعني أنّ جميع التناقضات الإجتماعيّة لم تُحلّ بل حلت الأساسيّة منها فحسب، الأمر الذي سيجعل الصّراع على السلطة والثروة يتّخذ أبعادا تزداد حدّة يوما بعد يوم، ليبلغ ذروته في الحرب الأهليّة التي انتهت بسقوط نظام الخلافة ونشأة الملكيّة الوراثيّة.

 

كان تمرّد الأعراب، فيما عرف ب” حركة الردّة “، وتدعيم أركان السلطة الجديدة، والتوسّع السريع للإسلام، أبرز التحّديات التي واجهها خلفاء الرسول.

 

لقد أحدثت المداخيل المتعاظمة للفتوحات إنقلابا عميقا في المجتمع العربيّ، وحرّكت أطماع الولاة والقادة العسكريين، وزاد تراكم الثروات استفحالا لدى الأثرياء من المسلمين الأوائل.

 

هذه الأموال المجمّدة تحت حكم عمر، تحرّرت إبّان حكم عثمان، فصُرف معظمها في حيازة الضّياع في الأراضي المفتوحة، فظهرت طبقة من كبار الملآك وضعت على المحكّ المثل التي جاء بها الإسلام.

 

تعاظمت الفوارق الإجتماعيّة لتبلغ أوجّها في الحرب الأهليّة، التي وضعت وجها لوجه الطبقة الجديدة المهيمنة وأنصار الخليفة الرّابع، من جنود ومزارعين وأعراب وأجراء.

 

هذه التقلّبات الإجتماعيّة ولّدت ثلاثة أقطاب أيديولوجيّة لكلّ منها رؤيتها الإجتماعيّة وقراءته للنصوص.

 

وإذا كان الإطار المرجعيّ قاسما مشتركا بين الجميع، فإنّ تأويلاته إختلفت وتنوّعت. وإذا كان القرآن لا يحتوي على نظريّة إجتماعيّة بالمعنى الصحيح، فإنّه يحتوي مبادئ عامّة تشكّل الخطوط العريضة لسلوك إجتماعيّ محدّد. وقد تجسّدت هذه المبادئ في تشريعات غيّرت أوضاع الجزيرة العربيّة قبل أن تغيّر أوضاع الأراضي المفتوحة.

 

ولئن شكّل مجموع المبادئ والأحكام الإطار المرجعيّ، فقد استلهم كلّ فريق منه رؤيته دفاعا عن مصالحه و تطلّعاته، فدافعت بعض الشرائح عن هذه المكتسبات وحاولت تطويرها، ونزعت أخرى إلى التراجع تدريجيّا عن بعضها وربّما التفريط فيها، وطمحت أخرى إلى تطويرها إلى أقصى حدّ.

 

فكان أن تصارعت ثلاثة اتّجاهات للهيمنة على الدولة والمجتمع، وهي العداليّة والإتّجاه العشائريّ والمساوتيّة الجذريّة.

 

من كتابي “الإسلام بين الرأسمالية والاشتراكية – الاقتصاد والمجتمع في عيون الإسلاميين”

Share