الرئيسية » Slider » مجدي عبد الهادي: لا أظن استمرار الـ”بريكس” كتكتل متماسك فعّال في الأجل الطويل!

مجدي عبد الهادي: لا أظن استمرار الـ”بريكس” كتكتل متماسك فعّال في الأجل الطويل!

 

حاوره – محمد البسفي:

تتجلي الأزمة المالية العالمية الحالية – والممتدة منذ أعوام سابقة – في تجذّر تناقض العلاقة الإجتماعية بين رأس المال الهادف دوماً للحفاظ علي معدلات ربحه وبين الثورة التكنولوجية التي تفرض تغيير طبيعة وحجم وكيفية إستخدام عنصر العمل. ذلك الوضع المنعكس بالتالي علي تأزم العولمة الإقتصادية الذي يمثل صعود اليمين الشعبوي الحالي عالمياً دليلاً علي تأزمها “الجزئي”، كما يراه الباحث الاقتصادي المصري “مجدي عبد الهادي”، ضمن رصده للحالة الاقتصادية العالمية الآنية في أولي حلقات حواره الثري مع (مصرنا اليوم)…

صعود اليمين الشعبوي عالمياً الآن دليل علي مدي تأزم العولمة الإقتصادية

مازلنا بحاجة للنضال من أجل استقلال أسواقنا بمعني جديد ومرن

  • بداية.. هل يمكننا التعرف علي طبيعة الأزمة المالية العالمية الحالية من حيث كونها تأزم للمنظومة الرأسمالية العالمية بشكل كامل؟ أم هي مجرد أزمة لسياسات “النيوليبرالية” كشكل واحد منها؟
  • هى الاثنتان معاً، فهي أزمة مركبة من شقين:

الأول: أزمة التكوين.. المرتبطة بصلب النظام، وهى أزمة مزمنة يعاني منها النظام الرأسمالي العالمي منذ أوائل السبعينات في صورة إختلالات عميقة في علاقاته الهيكلية الداخلية بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وبين البناء الإجتماعي والتنظيم المؤسسي، وبين العرض والطلب.. إلخ.

الثانية: الأزمة المؤسسية.. المرتبطة بأبعاد مؤسسية مرتبطة بـ/وناتجة بدورها عن أبعاد تكوينية هيكلية، وإن كان يمكن معالجتها جزئياً، وهى المتعلقة بالـ”نيوليبرالية” وما ارتبط بها من ترك الحبل على أعنته لتضخم هائل للقطاع المالي، وإهدار لحقوق الشغيلة، وهما بُعدان يعودان لما هو هيكلي مما يتعلق بتضخم القطاع الخدمي وتقلص التصنيع والقطاعات السلعية عموماً.

وهذه الأزمة العامة بشقيها، هى في جذرها أزمة رأس المال كعلاقة إجتماعية في تناقضه مع الثورة العلمية التكنولوجية التي فرضت مجموعة من الإستحقاقات التي لا يمكن لعلاقات الإنتاج الرأسمالية أن تستوعبها أو تتقبلها.

فرأس المال الذي يرغب في الحفاظ على معدلات أرباحه لا يمكن أن يتقبل تقلصها مع زيادة عرضه ومع الاتجاه الطبيعي لميلها للإنخفاض مع تطور النظام الرأسمالي، ومع ما تفرضه تلك التكنولوجيات من تغيير في طبيعة وحجم وكيفية إستخدام عنصر العمل، فبدلاً من أن تنعكس التكنولوجيا في صورة خفض ليوم العمل وتوسع في الملكية العامة والتعاونية على حساب الملكية الخاصة، فإنها إنعكست في ظل هيمنة مصالح رأس المال في صورة بطالة وتهميش إجتماعي وخفض للأجور بشكل متزايد.

وهذا التوجه الذي ربما يحلّ بالنسبة لرأس المال مشكلة انخفاض معدلات الربح مؤقتاً هو نفسه ما يعمّق أزمته على المدى الطويل، حيث ينخفض الطلب الإستهلاكي أو بالأحرى لا ينمو بالدرجة المطلوبة لإستمرار النمو عند معدلات عالية؛ ما حفّز وعمّق من توجه آخر هو تنمية الطلب من خلال المديونية، أي توسيع الإئتمان الإستهلاكي من بيع بالتقسيط وما شابه، وما هو سوى “مُسكن” عرضي هو الآخر؛ لأنه يخلق تدفقاً مؤقتاً للدخول، لابد وأن يتم اقتطاعه لاحقاً أو سينهار بالنظام في لحظة ما، كما فعلت نظيرته في سوق المال مُتمثلةً في “المشتقات المالية” في سوق العقارات الأمريكي التي تسببت بالأزمة المالية العالمية عام 2008م.

وهذا التوجه الأخير نفسه هو جزء من تضخم القطاع المالي السالف ذكره.

  • وهل يعتبر هذا تأزماً بالتالي للعولمة الإقتصادية بشكل كامل أم جزئي؟
  • بالطبع.. والصعود الحالي لليمين الشعبوي عالمياً هو دليل على هذا التأزم، وهو لا يزال تأزماً جزئياًَ بالتأكيد؛ فلا يزال في جعبة الرأسمالية ما تقدمه لعلاج نفسها ولاستمرارها، بمعنى “العلاج الجزئي” وبمنطق “الاستمرار المأزوم” بالطبع؛ فلاتزال لديها إمكانات تكنولوجية مستمرة بالقصور الذاتي، كما لا يزال لديها إمكانات تعديل واسعة في هياكلها، والأهم أن هناك مراكز رأسمالية جديدة صاعدة في الشرق والجنوب صعودها هو جزء من الأزمة كما هو جزء من الأستمرار، إنه الجدل في أجلى أشكاله وأوضح صوره، حيث التطور يحمل الفرص كما يطرح التحديات.

هذا عن الرأسمالية في عمومها، أما عنها في صورتها المُعولمة، أي شكل توسع الرأسمال عالمياً في القرن الحادي والعشرين، فمن الوارد أن يتغير عمقه ونطاقه وكيفية وجوده، لكنه سيجد طريقه للاستمرار في النهاية بحكم طبيعة الرأسمالية نفسها كنظام عالمي، كذا بحكم الضرورة الإقتصادية المتمثلة في ضرورة التجارة الدولية لتوسع المعاملات والازدهار الاقتصادي، فقط ستتغير الشروط، ربما باتجاه قدر من التضييق أو الترشيد، كذا باتجاه تغيير تقسيم العمل الدولي اتساقاً مع تغيرات الأوزان النسبية اقتصادياً وسياسياً ما بين القوى الكبرى والمتوسطة ، والقديمة والجديدة .

 

  • ذكر الكاتب المصري محمد سيد أحمد في ثمانينيات القرن الماضي: “لقد أسلمت فكرة التطور (الاقتصادي) الروح. ولم يعد هناك قاموس مشترك لتسمية المشكلات فمصطلحات من قبيل الجنوب والشمال والعالم الثالث والتحرر والتقدم لم يبق لها معني”.. فهل مازالت تلك الحالة موجودة بعد هذه التطورات التأزمية للرأسمالية العالمية أم أن الوضع أختلف؟.. خاصة مع تلك الآراء التي رأت في تكتل دول مجموعة الـ”بريكس” عودة لتقوية اقتصاد القوميات بشكل أكثر حداثة؟
  • اختلفت المفاهيم بالطبع.. فمثلاً مفهوم العالم الثالث الذي لازلنا نستخدمه هو في الأساس مفهوم سياسي، مرتبط بسياق تاريخي كان فيه معسكران رأسمالي وإشتراكي، كما كانت تقسيمة الشمال والجنوب مرتبطة بإختلاف نوعي في مستويات التطور، اليوم التركيبة العالمية اختلفت تماماً، فلا هناك معسكران بالمعنى المُحدد سابقاً، ولا بقيت فروص مستويات التطور بين الشمال والجنوب والأبيض والأسود بنفس درجة الوضوح سابقاً.. لقد اختلفت المفاهيم، لكن القضايا الأساسية لا تزال مطروحة، فلازلنا بحاجة للنضال لاستقلال أسواقنا، وإن كان بمعنى جديد ومرن للاستقلال يتفهم التغيرات في النظام العالمي، كما أن مفهوم كالتقدم هو مفهوم مركزي، وهو إن كان متغيراً، إلا أنه لا يمكن إلغاءه أو التخلي عنه!

أما عن الـ”بريكس” فهي كما وصفتها اقتصاد قوميات، إنها رأسماليات في طور الصعود، وهى لا تختلف كثيراً – في بعض سماتها التاريخية العامة جداً – عن رأسماليات العالم الأول نفسها في مرحلة صعودها عندما كانت اقتصادات قومية هى الأخرى، حينما كان الاقتصاديون الأمريكيون – أجداد رعاة الحرية التجارية المطلقة اليوم – يرون في حرية “آدم سميث” نموذجاً بريطانياً خاصاً بمصالح بريطانيا، التي حلّت أميركا محلها فتبنّوا خطابها المذكور، وتركوا خطاب الحمائية القومي للاقتصادي الألماني التاريخي “فريدريك ليست” الذي لم يعد يناسب مصالحهم بعد أن أصبحوا القوة الاقتصادية الأولى عالمياً!

وهكذا فهذه الإقتصادات القومية هى “مرحلة” في تاريخ حياة أي رأسمالية ناهضة، فقط بعض الرأسماليات تتجاوزها، وبعضها يُحتجز فيها لعجزه عن التطور؛ وعليه لا أظن للـ”بريكس” القدرة على الاستمرار كتكتل متماسك فعّال بقوى متعادلة في الأجل الطويل؛ لكونه أولاً نشأ ضمن تناقضه مع هيمنة أميركا المتدهورة، وثانياً لكونه يضم نوعين مختلفين من الرأسماليات، صناعية صاعدة كـ”الصين” وغيرها من قوى تصديرية صاعدة، واستخراجية ريعية كـ”روسيا” المحبوسة إلى حد ما في تصدير مواردها الأولية؛ فإما ستتفكك – البريكس – بتجاوز الصين للمرحلة القومية وتركها للتكتل، أو بالتناقض بين قواها الداخلية المختلفة نوعياً!