الرئيسية » مقالات » العنصرية في لبنان.. مشكلة مزمنة

العنصرية في لبنان.. مشكلة مزمنة

Share

مالك ونوس

ليست العنصرية في لبنان حالةً عابرةً، بل مشكلةً مقيمةً، تعدّدت الأشكال التي تظهر بها بين حين وآخر، وكتب عنها المعلقون، ورصدتها المنظمات الدولية. وإن كان من فضيلة ما يتمتع بها اللبنانيون من دون غيرهم، وتدعو بعضهم إلى التعالي على أبناء الجنسيات الأخرى، أو غير ذوي البشرة التي يتمتع بها اللبنانيون، فإن منهم مَنْ سخر مما تسرّب، أخيراً، أن رئاسة الجمهورية في بلادهم أصدرت مرسوماً يَهبهم الجنسية اللبنانية. وعلق كثيرون متعجبين وساخرين مما يدفع هؤلاء إلى طلب هذه الجنسية التي لم تورثهم سوى المشكلات الاقتصادية والحروب والشعور الطائفي. عنصرية، ربما تجد جذورها في مفهوم فرادة لبنان وفرادة شعبه، وهو البلد الذي عانى حرباً أهلية بين أبناء شعبه المتعالين.
أعادت، قبل أيام، حادثة طرد الطفل السوداني من دار حضانة للأطفال في منطقة كسروان اللبنانية، بسبب لون بشرته، إلى الأذهان حوادث عنصرية شبيهة، عاني منها مقيمون، ولا تكاد تنتهي مفاعيل إحداها حتى تأتي الأخرى، فتحدث ضجة كالتي أحدثتها حالة الطفل السوداني. وهكذا، يصبح المجتمع اللبناني أسير اتهامه بعنصريةٍ يمارسها بعضٌ من أفراده. ولكن، يجعل استمرار توارد الأنباء عن حوادث، شبه يومية، كهذه، الأمر يبدو كأنه حالة عامة، وليس مجرّد حالاتٍ فرديةٍ، مثل التي تسبب بها أهالي الأطفال، زملاء الطفل السوداني الذين احتجوا على وجوده بين أبنائهم في الحضانة.

ولوحظ أن تلك الحوادث زادت بعد لجوء مئات آلاف من السوريين إلى لبنان، على إثر اندلاع الحرب في سورية. ووقع هؤلاء بين ناري المؤيدين للنظام السوري من اللبنانيين والمعارضين له، إذ ضايقهم المؤيدون بعد أن أرجعوا سبب هروبهم من سورية إلى أنهم معارضون للنظام، مهملين بذلك حقيقة دمار ممتلكاتهم ومدنهم. بينما لم يتعاطف اللبنانيون المعارضون للنظام السوري معهم، بل رأوا فيهم تهديداً للتوازن الديمغرافي الذي يحكم مسلمي لبنان ومسيحييه. كما جرى تحميلهم مسؤولية فقدان فرص العمل وسحبها من أيدي الشباب اللبناني، بينما هم يقولون إنهم يعملون في مِهَنٍ يأْنف اللبنانيون من امتهانها.

وتعرّض السوريون لحالات من العنصرية التي من أوجهها منعهم من دخول بعض المناطق والمطاعم والمتنزهات البحرية، إضافة إلى فرض حظر تجوُّل بحقهم في ساعات محددة من الليل. ومن نوادر هذا الأمر، تفتقت عبقرية صحيفة لبنانية اكتشفت أن السوريين هم سبب تلوث الهواء في لبنان في السنوات الأخيرة. ومن المضحك المبكي خبر منع القضاء اللبناني السوريين من التمتع بالحب، وتبادل المشاعر العاطفية مع أبناء الجنسية اللبنانية، كما في حالة الشاب السوري الذي أجبره كاتب العدل في إحدى محاكم بيروت، أواسط فبراير/ شباط الماضي، على التعهُّد خطيّاً بعدم الارتباط بأي علاقةٍ مع فتاةٍ من الجنسية اللبنانية.
عانى من حوادث شبيهة أبناء جنسيات أخرى، وخصوصاً اللاجئين الفلسطينيين، والعاملات في المنازل من جنسيات أخرى. ولم يسلم من الأمر أعضاء السلك الدبلوماسي الأجنبي، إذ نقلت الممثلة اللبنانية رلى حمادة، قبل سنوات، عن السفيرة الفيليبينية قولها إنها تُعامل معاملة الخادمات الفيليبينيات خلال الاستقبالات والمراسم البروتوكولية، وينظر إليها المسؤولون اللبنانيون بنظرةٍ دونيةٍ بقيت أسيرةً لها منذ شغلها منصبها في سفارة بلادها في بيروت. ولا يمكن استغراب صدور هذه الممارسة عن مسؤولين رفيعي المستوى، بعد كلمة وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل، في جولة له في البقاع، أواخر السنة الماضية، حين قال: “نعم (نحن) عنصريون لبنانيون”.
ومن هنا، تأكد أن كل حالات التمييز العنصري تلقى قبولاً اجتماعياً في لبنان، ولذلك لا يتورّع سياسيٌّ أو مسؤول حكوميٌّ، مهما بلغت مكانته الوظيفية، عن إطلاق عباراتٍ تحمل في مضمونها عنصرية، أو حتى عن ممارسة تلك العنصرية والتمييز بحق أبناء الجنسيات الأخرى المقيمين على أراضي بلاده. مع العلم أن تلك الممارسات تلقى استهجاناً من لبنانيين، يعتبرون الأمر إساءة مباشرة لجميع اللبنانيين، خصوصاً بعد انتشارها على نطاق واسع في وسائل الإعلام التقليدية والجديدة، وحيث أن وزارة الصحة اللبنانية قرّرت توعية الأهالي، عقب موضوع الطفل السوداني، إلى خطر العنصرية ومساوئها، وغفل لبنان الرسمي عن أهمية تجريم العنصرية بموجب القضاء، أسوة بدولٍ كثيرة، بعد أن استفحلت وأساءت لسمعة البلاد.
أصبحت العنصرية في لبنان مشكلة، وهي في الوقت نفسه انعكاس لمشكلةٍ أخرى يعاني منها، حيث لا تظهر العنصرية في دولةٍ ما، وبهذا الشكل الفاقع، إلا حين تمر بأزمة، سياسية كانت أم مالية أو اقتصادية، بل وحتى أمنية. إذ إنه، في حالة الأزمة، تتاح الفرصة للعصبيات الدينية والوطنية بالظهور، ويتمسّك الناس بها باعتبارها تشكل حبال الخلاص لهم، عندما تُغيَّب المؤسسات أو تجيَّر لصالح الزعماء السياسيين أو الدينيين، وهم في حالة لبنان، زعماء طائفيون. وحيث أن لبنان لم يصل بعد إلى مرتبة الدولة التي تحكمها المؤسسات، منذ اندلاع الحرب الأهلية بداية سبعينيات القرن الماضي، مروراً بما عُرف بالسلم الأهلي الذي بقي حاملاً، في جوفه، مقومات الانفجار، وإمكانية تحوله في أي لحظة حربا أهلية، وصولاً إلى المرحلة التي أصبحت فيها الدولة، أخيرا، أشبه بدولةٍ ديكتاتوريةٍ، يحكمها زعماء الطوائف الذين انتقلوا من المتاريس إلى أروقة الحكم، متسلِّحين بعقلية المليشيات ذاتها في إدارة الدولة. ولذلك، يعمل هؤلاء الزعماء على تكريس الممارسات العنصرية، والنفخ في الذات اللبنانية، وتكبير وهم فرادتها وسموها عن الآخرين، تعويضاً وهمياً عن واقع تهلهل ركائز الدولة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
يؤيد هذا القول أن المرحلة الحالية تشكِّل المرحلة الأصعب التي تمر بها الأزمة في لبنان. وحسب مصار حكومية، بلغ الدين العام الحكومي الإجمالي للخارج أكثر من مائة مليار دولار، حتى نهاية سنة 2017. ويتضمن هذا الرقم أصل الدين البالغ 76.5 مليار دولار، مضافاً إليها الفوائد وباقي الخدمات. وهذا الرقم كفيل بأن يجعل مواطني هذه البلاد يعيشون تحت وطأة القلق الدائم من أن يستيقظوا في أحد الصباحات على نبأ إعلان الحكومة إفلاس مصارفها، ودخول مؤسساتها طور الانهيار، فتصنّف دولة فاشلة في عرف المؤسسات المصرفية الدولية. ويشكّل هذا الأمر هاجساً للمواطن اللبناني الذي يعاني أزمةً معيشيةً، بسبب الغلاء الفاحش وارتفاع أسعار العقارات، المتزامن مع قلة موارده، وارتفاع معدلات البطالة.

Share
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ألِّفوها قبلَ أن يؤلِّفَها الشعبُ

سجعان قزي مهما مَثَّلت شعبيًّا، غالِبيّةُ الطبقةِ السياسيّةِ الحاليّةِ لا تمثِّلُ فكرةَ ...

هذه الرابطة الروسية – الإسرائيلية

مروان قبلان يدلّ فتح معركة الجنوب السوري، بعدما كانت أكثر التوقعات والتحليلات ...

دروس من الكرة والسياسة

بقلم/ عمرو جاد يظل الهجوم، فى السياسة والرياضة، أفضل من الدفاع انتظارا ...